وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله لو كان تعالى خالقا لكل ما يفعلونه في السر والجهر ، وفي الصدور والقلوب ، فإنه لو لم يكن خالقا لها لم يكن قوله : ( الملك : 14 ) ولهذا مثال وهو الشمس فإن ضوءها يجعل العالم مضيئا ، ولا ينتقص ألبتة من ضوئها شيء ، فكذا ههنا فكيف لا يكون عالما بالسر والأخفى ، فإن من تدبيراته في خلق الأشجار وأنواع النبات أنها ليس لها فم ولا سائر آلات الغذاء فلا جرم أصولها مركوزة في الأرض تمتص بها الغذاء فيتأدى ذلك الغذاء إلى الأغصان ومنها إلى العروق ومنها إلى الأوراق ، ثم إنه تعالى جعل عروقها كالأطناب التي بها يمكن ضرب الخيام . وكما أنه لا بد من مد الطنب من كل جانب لتبقى الخيمة واقفة ، كذلك العروق تذهب من كل جانب لتبقى الشجرة واقفة ، ثم لو نظرت إلى كل ورقة وما فيها من العروق الدقيقة المبثوثة فيها ليصل الغذاء منها إلى كل جانب م . > 7 ! الملك : ( 14 ) ألا يعلم من > وفيه مسائل : المسألة الأولى : أن معنى الآية أن من خلق شيئا لا بد وأن يكون عالما بمخلوقه ، وهذه المقدمة كما أنها مقررة بهذا النص فهي أيضا مقررة بالدلائل العقلية ، وذلك لأن الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين على سبيل القصد ، والقاصد إلى الشيء لا بد وأن يكون عالما بحقيقة ذلك الشيء فإن الغافل عن الشيء يستحيل أن يكون قاصدا إليه ، وكما أنه ثبت أن الخالق لا بد وأن يكون عالما بماهية المخلوق لا بد وأن يكون عالما بكميته ، لأن وقوعه على ذلك المقدار دون ما هو أزيد منه أو / أنقص لا بد وأن يكون بقصد الفاعل واختياره ، والقصد مسبوق بالعلم فلا بد وأن يكون قد علم ذلك المقدار وأ ( االملك : 14 ) وهو عين تلك الدلالة وقال : مقتضيا كونه تعالى عالما بتلك الأشياء ، وإذا كان كذلك ثبت أنه تعالى هو الخالق لجميع ما يفعلونه في السر والجهر من أفعال الجوارح ومن أفعال القلوب ، فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد : ألا يعلم من خلق الأجسام والعالم الذي خلق الأجسام هو العالم بهذه الأشياء ؟ قلنا : إنه لا يلزم من كونه خالقا لغيره هذه الأشياء كونه عالما بها ، لأن من يكون فاعلا لشيء لا يجب أن يكون عالما بشيء آخر ، نعم يلزم من كونه خالقا لها كونه عالما بها لأن خالق الشيء يجب أن يكون عالما به . / المسألة الثانية : الآية تحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون { من خلاق } في محل الرفع والمنصوب يكون مضمرا والتقدير ألا يعلم من خلق مخلوقه وث كل ورقة وما فيها من العروق الدقيقة المبثوثة فيها ليصل الغذاء منها إلى كل جانب من الورقة ليكون ذلك تقوية لجرم الورقة فلا يتمزق سريعا ، وهي شبه العروق المخلوقة في بدن الحيوان لتكون مسالك للدم والروح فتكون مقوية للبدن ، ثم انظر إلى الأشجار فإن أحسنها في المنظر الدلب والخلاف ، ولا حاصل لهما ، وأقبحها شجرة التين والعنب ، و ( لكن ) انظر إلى منفعتهما ، فهذه الأشياء وأشباهها تظهر أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض . أما قوله تعالى : { من خلاق } في محل الرفع والمنصوب يكون مضمرا والتقدير ألا يعلم من خلق مخلوقه وثانيها : أن يكون من خلق في محل النصب ويكون المرفوع مضمرا ، والتقدير ألا يعلم الله من خلق والاحتمال الأول أولى لأن الاحتمال الثاني يفيد كونه تعالى عالما بذات من هو مخلوقه ، ولا يقتضي كونه عالما بأحوال من هو مخلوقه والمقصود من الآية هذا لا الأول وثالثها : أن تكون { من } في تقدير ما كما تكون ما في تقدير من في قوله : بقصد الفاعل واختياره ، والقصد مسبوق بالعلم فلا بد وأن يكون قد علم ذلك المقدار وأراد إيجاد ذلك المقدار حتى يكون وقوع ذلك المقدار أولى من وقوع ما هو أزيد منه أو أنقص منه ، وإلا يلزم أن يكون اختصاص ذلك المقدار بالوقوع دون الأزيد أو الأنقص ترجيحا لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، فثبت أن من خلق شيئا فإنه لا بد وأن يكون عالما بحقيقة ذلك المخلوق وبكميته وكيفيته ، وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول : تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن العبد غير موجد لأفعاله من وجهين الوجه الأول : قالوا : لو كان العبد موجدا لأفعال نفسه لكان عالما بتفاصيلها ، لكنه غير عالم بتفاصيلها فهو غير موجد لها ، بيان الملاز سه لكان عالما بتفاصيلها ، لكنه غير عالم بتفاصيلها فهو غير موجد لها ، بيان الملازمة من وجهين الأول : التمسك بهذه الآية الثاني : أن وقوع عشرة أجزاء من الحركة مثلا ممكن ووقوع الأزيد منه والأنقص منه أيضا ممكن ، فاختصاص العشرة بالوقوع دون الأزيد ودون الأنقص ، لا بد وأن يكون لأجل أن القادر المختار خصه بالإيقاع ، وإلا لكان وقوعه دون الأزيد والأنقص وقوعا للممكن المحدث من غير مرجح ، لأن القادر المختار إذا خص تلك العشرة بالإيقاع فلا بد وأن يكون عالما بأن الواقع عشرة لا أزيد ولا أنقص ، فثبت أن العبد لو كان موجدا لأفعال نفسه لكان عالما بتفاصيلها وأما أنه غير عالم بتفاصيلها فلوجوه أحدها : أن المتكلمين اتفق كان عالما بتفاصيلها وأما أنه غير عالم بتفاصيلها فلوجوه أحدها : أن المتكلمين اتفقوا على أن التفاوت بين الحركة السريعة والبطيئة لأجل تخلل السكنات ، فالفاعل للحركة البطيئة قد فعل في بعض الأحياز حركة وفي بعضها سكونا مع أنه لم يخطر ألبتة بباله أنه فعل ههنا حركة وههنا سكونا وثانيها : أن فاعل حركة لا يعرف عدد أجزاء تلك الحركات إلا إذا عرف عدد الأحياز التي بين مبدأ المسكنة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بأن الجواهر الفردية التي تتسع لها تلك المسافة من أولها إلى آخرها كم هي ؟ ومعلوم أن ذلك غير معلوم وثالثها : أن النائم والمغمى عليه قد يتحرك من جنب إلى جنب مع أنه لا يعلم ماهية تلك الحركة ولا كميتها ورابعه ى عليه قد يتحرك من جنب إلى جنب مع أنه لا يعلم ماهية تلك الحركة ولا كميتها ورابعها : أن عند أبي علي ، وأبي هاشم ، الفاعل إنما يفعل معنى يقتضي الحصول في الحيز ، ثم إن ذلك المعنى الموجب مما لا يخطر ببال أكثر الخلق ، فظهر بهذه الدلالة أن العبد غير موجد لأفعاله الوجه الثاني : في التمسك بهذه الآية على أن العبد غير موجد أن نقول : إنه تعالى لما ذكر أنه عالم بالسر والجهر وبكل ما في الصدور قال بعده :
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ
“Should He not know what He created? And He is the Subtile, the Aware.” — M. M. Pickthall
No comparative AI analysis has been generated for this verse yet. Below are the scholars' raw Arabic texts on this verse, unsummarized.
Tafsirs
Raw tafsir text — no AI summary/comparison yet, direct source textالملك : ( 15 ) هو الذي جعل > < يعني ألايعلم السر من خلق السر يقول أنا خلقت السر في القلب أفلا أكون عالما بما في قلوب العباد وقال أهل المعاني : إن شئت جعلت ( من ) اسما للخالق جل وعز ويكون المعنى : ألا يعلم الخالق خلقه وإن شئت جعلته اسما للمخلوق والمعنى : ألا يعلم الله من خلق ولا بد أن يكون الخالق عالما بما خلقه وما يخلقه قال بن المسيب : بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير وقد عصفت الريح فوقع في نفس الرجل : أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيبم : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني : من أسماء صفات الذات ما هو للعلم منها ( العليم ) ومعناه تعميم جميع المعلومات ومنها ( أسماء صفات الذات ما هو للعلم منها ( العليم ) ومعناه تعميم جميع المعلومات ومنها ( الخبير ) ويختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون ومنها : الحكيم ويختص بأن يعلم دقائق الأوصاف ومنها : الشهيد ويختص بأن يعلم الغائب والحاضر ومعناه ألا يغيب عنه شيء ومنها الحافظ ويختص بأنه لا ينسى ومنها المحصي ويختص بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم مثل ضوء النور واشتداد الريح وتساقط الأوراق فيعلم عند ذلك أجزاء الحركات في كل ورقة وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق وقد قال :
وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله تعالى وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين كما قال السدي في قوله أي ألا يعلم الخالق وقيل معناه ألا يعلم الله مخلوقه والأول أولى لقوله
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15) ألا يعلم من خلق ألا يعلم السر والجهر من أوجد الأشياء حسبما قدرته حكمته. وهو اللطيف الخبير المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، أو ألا يعلم الله من خلقه، وهو بهذه المثابة والتقييد بهذه الحال يستدعي أن يكون ل يعلم مفعول ليفيد، روي: أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيخبر الله بها رسوله فيقولون: أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنبه الله على جهلهم. هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا لينة يسهل لكم السلوك فيها. فامشوا في مناكبها في جوانبها أو جبالها، وهو مثل لفرط التذليل فإن من السلوك فيها. فامشوا في مناكبها في جوانبها أو جبالها، وهو مثل لفرط التذليل فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلل له، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شيء لم يتذلل. وكلوا من رزقه والتمسوا من نعم الله. وإليه النشور المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم.